السيد عباس علي الموسوي

19

شرح نهج البلاغة

رهينا فيها ضمن ذلك المضجع الرهيب . . . ( وتوارثنا الوحشة ) أي ورثنا الوحشة من الآباء والأجداد الذين عاشوها في ذلك المضجع الرهيب . ( وتهكّمت علينا الربوع الصموت ) أي تهدمت علينا القبور الصامتة . ( فانمحت محاسن أجسادنا ) فما كان فينا من محاسن وجمال قد أتى عليه القبر فذهب به وقضى عليه بل تبدلت تلك المحاسن إلى قبائح تتقزز النفس منها وتأنف أن تنظر إليها . . . ( وتنكرت معارف صورنا ) أي تغيّرت صورنا التي كنا نعرف بها في الدنيا . ( وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ) فإقامتنا في القبور قد امتدت طويلاوَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ إنه وقت طويل يعلمه علّام الغيوب . ( ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا ) فالهموم والغموم والعذاب والألم مستحكمة لم نجد من يرفعها عنا أو يخفف منها كما أن هذا الضيق في القبور لم نجد ما يوسعّه أو يخرجنا منه . ( فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت ) أي لو حلّلت بعقلك وتصورت مواقعهم التي هم فيها وعشتها لحظات في تلك القبور أو كشفت غطاءهم الذي يسترهم فبدوا لك على حقيقتهم فبهذين الأمرين أو بأحدهما لو أبصرت ذلك فإنك سوف تجد الحقيقة الصعبة والرؤية العظيمة الرهيبة لقد جفت أسماعهم من رطوبتها وطراوتها فانسدت بالحشرات التي تتقاتل عليها وامتلأت منها تنهش نصيبها وتأخذ حصتها وكذلك تبدل كحل العيون بالأثمد إلى أن صار كحلا بالتراب وقد غارت العيون في الرؤوس . . . صورة مفزعة . . . ( وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ) تمزقت وتفرقت الألسنة في الأفواه ولم تعد تجيد النطق والتعبير مع أنها كانت تمتلك المنطق وحدّة البيان وجودة التعبير وأما القلوب فقد سكنت واستقرت وتوقفت عن الحركة والحياة بعد أن كانت تنبض بالحياة وتضج بالحركة . . . ( وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها وسهل طرق الآفة إليها ) لقد انتشر الفساد وتجدد الفناء في كل عضو منها حتى قبّحها وغير محاسنها وسهّل وسائل الفناء